ثقافة فيلم "بنيمانة" في قسم "نظرة ما": حدث بارز لأول فيلم روندي يشارك في مهرجان كان
بقلم الناقد الطاهر الشيخاوي
لنبق مع الأفلام التي تهمنا، تلك القادمة من القارة الإفريقية والعالم العربي. أهميتها تتعارض تعارضا لافتا مع قلتها. لنبق معها وان كان لدينا كثير من الحديث عن البقية.
بعد "المحطة" يأتي "بنيمانة" لصاحبته ماري كليمنتين دوسابيمبو. حدثٌ بارزٌ بأتم معنى الكلمة، وهو أهم فيلم أثار انتباهي شخصيا إلى حدّ اليوم. كما شهدت قاعةُ دو بوسي بعد عرض الشريط تحية لم أشهد مثيلها. ماري كليمنتين دوسابيمبو سينمائية روندية سبق أن أخرجت عددا من الأفلام القصيرة عرضت في مهرجانات عالمية مختلفة منها أيام قرطاج السينمائية، تناولت فيها مواضيع اجتماعية حارقة في بلدها مثل قضايا النساء والأطفال والمهمشين عموما، تحصلت أغلبها على جوائز ونالت اعجاب النقاد.
"بنيمانة" هو شريطها الطويل الأول، شريط روائي تتناول فيه تداعيات الإبادة التي شهدتها روندا سنة 1994. اللافت أنه يقترب في موضوعه من "المحطة"، فإلى جانب أن صاحبته امرأة وأنه يختزل قضية سياسية ذات أهمية تاريخية قصوى، فهو جاء في شكل روائي.
الرغبة في الحالتين واضحة : اختيار الجنس الروائي يرمي إلى تحسيس الرأي العام المحلي والعالمي لقضايا البلدين فضلا عن وعي حاد بما توفره الرواية من إمكانيات دلالية. أما التشابه الآخر فهو اختيار وجهة نظر نسائية صرفة، فالشخصيات الرئيسية نساء، والغريب هو أن الشخصيتين اللتين تحتلان الصدارة أخوتان مختلفتان.
لكن المسألة تحمل هنا المزيد من التعقيد، فالأمر لا يتعلق فقط بسياق اللحظة الراهنة وإنما يرتبط بثلاثة أجيال. في مركز الرواية نجد فنرندا التي تتزعم محليّا حركة المصالحة بين الهوتو والتوتسي، ولكنها في نفس الوقت تواجه شخصيا موقف ابنتها التي اكتشفت أنها حامل من شاب ينتمي إلى التوتسي وضعها في نوع من التناقض مع دعواتها المتكررة للتسامح وتجاوز العداوات الماضية، زد على ذلك أنها في خلاف مع شقيقتها التي لها موقف أقل اعتدال، فكلّ شخصية تحمل جوانب مختلفة ومركبة بل متناقضة أحيانا تظهر مع تقدم الأحداث. فيكشف التطور الدرامي خفايا الشخصيات وبصورة أعم تعقّد الوضع الاجتماعي والسياسي، فيقترب المشاهد من المجتمع ويشعر بضرورة فهمه عن قرب عوض أن يبقى خارج الرهانات مكتفيا بمشاعر العطف والشفقة.
كل هذا جاء نتيجة عمل في غاية من الدقة والحنكة ممزوج بحس فني راقي وصدق مؤكد في الرؤية.